دكتور عبد العزيز الدوري
21
مقدمة في تاريخ صدر الإسلام
وسنحاول في السطور التالية إعطاء الصورة التي نحصل عليها إذا قبلنا ما يذكر على علّاته ، ولن يخفى على القارئ معرفة أثر الاتجاهين المذكورين أعلاه . وقبل أن أفعل ذلك ، ينبغي أن أبين أنّ المؤرخين العرب يروون رواياتهم عادة على علّاتها ، إلا في القليل حين ينقدون . وقد ينفر القارئ مما سيقرأ ، ولكن هذا ما يقرأه عادة ، ولعله لم يفكر فيه هذا التفكير من قبل . نبدأ بدور الرسالة ، فنجد قصة الغرانيق تنسب إلى الرسول تمجيد اللات والعزى ومناة ليجلب ود قريش كما يزعم ، وهي بذلك تريد بيان نكوص الرسول عن مبادئه ، ولو بعض يوم ، ولكنها نسجت بشكل سرعان ما يتهافت أمام النقد . وروايتها تدل على وضعها وضعف إسنادها . أمّا راويها الأول ابن إسحاق ، فهو بين التجريح والتعديل عند المحدثين . وتظهر شخصية أبي بكر ( ) في الروايات مجردة من كل قوة ، فهي عندهم شخصية هادئة مقلدة أو تابعة لآراء من حولها . ولكن أين هذا من موقفه القوي وثباته عند وفاة الرسول ( صلى اللّه عليه وسلم ) مع دهشة المسلمين ؟ ! ثم موقفه الحازم في السقيفة وسيطرته على وضع خطير ينذر بأسوأ العواقب ، ثم موقفه القوي في الردة حين خاف غيره حتى أصرّ على محاربة المسلمين الذين رفضوا دفع الزكاة لأنها من حقوق الإسلام ؟ ألم يثبت بذلك وحدة الدولة العربية ؟ هذا فضلا عن سعة أفقه في الفتوحات وقوة آرائه التي خالف بها غيره كما في مسألة العطاء . وجاءت الروايات تتهم عمر بن الخطاب في تنحية خالد بن الوليد وتتهم خالدا نفسه ، مع أنّ ذلك كان نتيجة لاتجاه عمر نحو سيطرة المركز على الأطراف وعدم ارتياحه لاستبداد خالد برأيه ، وخوفه من طموح البارزين على الوحدة الإسلامية حتى إنه أبقى عامتهم في المدينة معه . واتهمته الروايات بأمر الشورى مع أنّ ظروفها كما سنرى هي التي فرضتها عليه ، ورمته بحرق مكتبة الإسكندرية وقد تحقق خرابها قبله بدهر طويل . وصبت الروايات حممها على عثمان ، متهمة إياه بمخالفته سنّة الخليفتين من قبله ، على حين أنه لم ينحرف في أسس سياسته عن السير على تدابيرهما في نظامه المالي وفي اتجاهه المركزي ، واتهمته بالإثراء وهو الذي أنفق جلّ أمواله في سبيل الإسلام ، ووصمه بالضعف والتخاذل وحملته جريرة التطور الاجتماعي والتحول الخلقي . وانتقدته بشدة على جمع القرآن وإحراق المصاحف ، وهي تغمض بصيرتها على أنّ الجمع وإحراق بعض المصاحف ( لأنها لم تحرق كلها ) كان حدثا فاصلا في تاريخ الإسلام الثقافي والسياسي لأنه حفظ الوحدة الدينية والسياسية للإسلام بصون